(+2) 01116627755
support@aboubakryoussef.com
139 El Tahrir, Ad Doqi, Dokki, Giza Governorate

الكون ١١:هل الإنسان مُسير أم مُخير؟

  • Posted by: Hala Refaat

كتبت فى الكون ١٠

خلق الله العدم وخلق الزمان والمكان، والمادة، وخلق الماء والعرش وقد وسع كرسيه السماوات والأرض، وخلق الجنة والنار، والملائكة، والجن (من الملائكة)، والقلم، واللوح المحفوظ، والكون، والسماوات والارض، وخلق الانسان، وقد خلق الله تعالى الماء وجعل عرشه على الماء؛ فالماء هو أصل المخلوقات كلّها فكان خلقه قبل النور ،والظلام، والفضاء والسماء والجنة والنار، واللوح المحفوظ والعرش، واللوح المحفوظ، كتب الله فيه أحداث ذلك الوجود وما فيه ومن فيه إلى قيام الساعة، كل نفس تولد، وأين تولد، وإلى أى مدى تعيش، وماذا ستفعل في هذه الحياة الدنيا، ماذا سيكون مصيرها في الآخرة في الجنة أم النار، ماذا تكسب في هذه الحياة، كل حيوان، كل نبات، كل جماد، كل حدث كوني، كل شئ يحدث فى الكون قَدًره الله وكتبه في اللوح المحفوظ، وخلق الكون، وهذا قبل خلق السماوات والأرض، ودليل ذلك ما أخرجه أحمد وروى البخاري في صحيحه عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السماوات والأرض.

والكون محدود بالسماوات السبع ويتسع إلى أجل مسمى، إن هذا الكون لابد له من مرجعية فى خارجه وهذه المرجعية لابد أن تكون مغايرة للكون مغايرةٌ كاملة لا يحُدها المكان ولا يحدها الزمان لا تشكلها المادة ولا تصنعها الطاقة وهذا تفسير لما لا نرى وهذا الكلام قد ذكره الله لنا في وصف ذاته العالية فقال {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}[الشورى:11].

أما الله سبحانه وتعالى فعال لما يريد منذ الأزل وإلى الأبد، فهو أزلي قبل وجود المخلوقات…

الله تعالى هو ذو العرش المجيد فعّال لما يريد ..ولم يكن ربنا تعالى قط في وقت من الأوقات معطلاً عن كماله، من الكلام والفعل، وفعله وإرادته متلازمان، فما أراد أن يفعل فعل، وما فعله فقد أراده. بخلاف المخلوق، فإنه يريد ما لا يفعل، [وقد يفعل] ما لا يريده، فما ثَمً فَعًال لما يريد إلا الله وحده، ومع الإتساع الكوني يتمدد إلى خلق جديد في هذا الاتساع، وما وراء الماء والعرش فهي أبعاد لا يعلمها إلا الله ولا يمكن لبشر أن يدركها فهي خارج نطاق خلقه، وفهمه، والزمن محدود بالقيامة عندها يتغير الزمن إلى بُعد وإدراك آخر (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (48) وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (49) فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (50) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (51) كَذَٰلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أَتَوَاصَوْا بِهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (53) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ (54) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55) وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (59) فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (60) ]الذاريات[

اللوح المحفوظ هو مصطلح في العقيدة الإسلامية يدل – بشكل عام – على أداة حفظ بها الله مقادير الخلق قبل أن يخلقهم وهو مستودعٌ لمشيئاته، ظهر في القرأن الكريم بشكل مباشر في سورة البروج: (إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (13) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ (16) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (18) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (19) وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ (20) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ (22))

كما ظهر في آيات أخريات بشكل غير مباشر بتعابير مثل “الكتاب” و”الإمام المبين” و”أم الكتاب”. وتم تفسير المعنى الحقيقي للوح المحفوظ في الأحاديث النبوية وعن طريق مفسري القرآن والسنة.

فُسرت كل الآيات القرآنية التي  تدل عليه على أنه هو أم الكتاب الذي عند الله تعالى المدوّن فيه كل شيء إذ أن الله وضع كل سنن ومجريات الحياة وما سيحدث في الكون منذ خلقه للكون وحتى نهايته وحفظها بشكل غير قابل للتغيير.

﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:70]، ففسر ابن عطية كلمة “كتاب” هنا أنها تدل على اللوح المحفوظ كما ذكر الطبري. أما ابن كثير ففصل أن اللوح المحفوظ خُلق بعدما خلق الله القلم وأمره أن يكتب علمه في خلقه إلى يوم الساعة.

﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس:12] ففسر القرطبي أن ابن كثير ربط مصطلح “الإمام مبين” على أنه “اللوح المحفوظ”. بينما ربط المفسرون الآخرون الإمام المبين بأنه أم الكتاب والتي هي اللوح المحفوظ.

﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:22] ففسر القرطبي كلمة “كتاب” الواردة في هذه الآية على أنها اللوح المحفوظ.

 فهل بعد هذا التعريف للوح  المحفوظ ،هل للانسان إرادة حرة وقدرة مستقلة يفعل بهما ما يفعل ويترك ما يترك؟ أم هو مجبورفي تيار الحياة يسبح مع التيار حيثما أخذه ؟

وأول ما يجب أن نسأل أنفسنا هو، من هو الانسان ونعرف كنه الحريه والإرادة .

الإنسان يُعرف بأنه جنس لكائن لديه القدرة على التفكير، والكلام والاستدلال بالعقل

وكل إنسان له شخصيه لها عدّة صفاتٍ نفسيّة وجسديّة مكتسبة وموروثة، وتشمل أيضاً العادات والتقاليد المرتبطة بالإنسان، ومجموعة القيم والعواطف التي تتحكّمُ بتصرفاته؛ حيث تكون جميعها متفاعلة وتظهر للنّاس على هذه الصورة من خلال تعامل الإنسان في المجالات الحياتيّة المختلفة.

والإنسان في الإسلام والأديان السماوية هو مخلوق وعبد لله، وسيُحَاسب، والإنسان عند الملحدين – على حسب نظرية داروين – وُجد بدون خالق وتطور تَدريجيَّاً مِن خَلِيَّةٍ وَاحِدَة، وَكَان لِلمُصادَفَة وَتَوافُر بَعض العَوامِل الفِيزيائيَّة، مِن هَواء، وَحَرارَة وَرُطوبة؛ سبباً في تَكاثُر تِلك الخلايا لِتتولَّد عَنها سِلسِلَة مِنَ المَخلوقَات، وقد تمر الحياة ويموت الانسان ولا يُسأل من أين جاء وإلى أين يذهب وماذا وجب عليه فعله في حياته وبالطبع لن يُسأل عن الإختيار من عدمه.

والإنسان له وصفان مسيَّر ومخيَّر، مسيَّر ليس له خروج عن قدر الله عزَّ وجلَّ، فالله سبحانه وتعالى قدَّر مقادير الخلق قبل أن يخلقهم، والقَدَر أمر ثابت وهو من أصول الإيمان، فإن النبي عليه الصلاة والسلام لما سأله جبرائيل عن الإيمان قال في جوابه: ((أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره)).

فالإيمان بالقدر من أصول الإيمان، فالله قدر أشياء وكتبها سبحانه قبل أن يخلق الناس، خلق العبد وقدر رزقه وأجله وشقاوته وسعادته، هذا أمر معلوم وقد أجمع عليه أهل السنة والجماعة، فهو مسير من هذه الحيثية، من جهة أنه لا يخرج عن قدر الله.

ولكنه ميسر لما خلق له، فإن الصحابة رضي الله عنهم لما أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما من الناس أحد إلا وقد وجد مقعده من الجنة ومقعدة من النار، فقالوا: يا رسول الله، فلِمَ نعملُ؟ قال: ((اعملوا فكل ميسر لما خُلق له)) فأما أهل السعادة فيُسِّروا لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فَيُسِّروا لعمل أهل الشقاوة، ثم تلا قول الله سبحانه وتعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ (7) وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ (10) ]الليل[

لكن هناك من لا يستطيع أن يتخطى حاجز علم الله مسبقاً بمصائر الخلق

 وسأضرب مثلا لسيدة فرنسية ملحده تحدد مصيرها بإختيار كامل  :

قررت جاكلين جينكويل من فرنسا أنها ستلجأ إلى الإنتحار بمساعدة الأطباء في يناير 2020، مع إنها في صحة جيدة.

 إنها تريد أن “تموت واقفة”. هذه المرأة التي تبلغ من العمر 74 عامًا لا تعاني من مرض تنكسي أو غير قابل للشفاء. تقول إنها سعيدة. لكنها حددت بالفعل تاريخ وفاتها. في يناير 2020 ستضع حداً لحياتها، تشرح أسبابها. فتقول “لقد ناضلت من أجل الحياة التي أملكها. حاربت من أجل الإجهاض، والآن أنا أحارب من أجل الانقطاع الطوعي للشيخوخة اعمل منذ عشر سنوات من أجل تقنين الإنتحار في فرنسا. لماذا؟ فعلت كل ما أردت فعله، ولهذا السبب أخبر إنه الخوف من الشيخوخة الذى دفعنى لهذا القرار، هناك أيضًا خوف معين من مرور سنوات، معاناة ومرض. عندما تكون كبيرًا في السن، فأنت لا تكون جيدًا أبدًا. نحن جيدون إلى حد ما، ولكن لدينا أشياء. لدينا ما نسميه أمراض متنوعة من الشيخوخة. لدي – على سبيل المثال – ثلاثة فقرات مكسورة بسبب هشاشة العظام “.

تريد جاكلين جينكويل أيضًا ترك صورة معينة لأطفالها الثلاثة. “أعتقد، أطفالي، إنهم سيعانون أكثر من رؤية أم مريضة في فراش يتعين عليهم العناية بها. أعتقد أن ما سأتركه لأطفالي هو صورة امرأة حرة مصممةلا تخاف “.

 على العكس من ذلك ، تقول إن تحديد تاريخ وفاتها يتيح لها الآن أن تعيش بشكل كامل. “إذا كنت لا تفكر في الموت، فالحياة رتابة. في الوقت الحالي، لا يزال الإنتحار بمساعدة أحد غير قانوني في فرنسا. هذا استفزاز بموجب القانون الجنائي للانتحار ويعاقب عليه بالسجن لمدة ثلاث سنوات وغرامة قدرها 45000 يورو. “وبالتالي ستذهب إلى سويسرا عندما يحين الوقت الذى تريد أن تموت فيه، فهناك القانون لا يمنع ذلك منذ عام 1899 ويمكن للمريض هو نفسه أن يبتلع مادة مميتة أو يُحقن بها .

لا تؤمن جاكلين بالله ولا بحساب ولا بحياة بعد الموت حتى بلا حساب، فلا مجال هنا لحديث

بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ۖ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28) وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29) وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ قَالَ أَلَيْسَ هَٰذَا بِالْحَقِّ ۚ قَالُوا بَلَىٰ وَرَبِّنَا ۚ قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (30) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ ۚ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (31)   ]الأنعام[

والغريب أن هؤلاء المنكرون عند رؤيه الحق والعذاب بعد الموت، لو رُدوا إلى الحياة الدنيا لعادوا لما فعلوا مرة أخرى ولعادت جاكلين لتنتحر في سويسرا كي لا تتعذب من الهشاشة وأمراض الشيخوخة الأخرى!!!! ولكن قد يتغير قدر الله فيها ويتبدل الكفر بالإيمان والله أعلم وهذا مثال على منتهى حرية الإرادة، إن أول ما أقول أن في كلتا الحالتين سواء أكان الإنسان مسير أم مخير فلن يدرك هذه الحقيقة إلا بعد الموت، ويمكن إدراكها إن آمن وفهم الإنسان معنى التكليف فإذا آمنا أن الله قد كلفنا بمهمة في هذه الحياة وسنحاسب على إتمامها مع العلم إن الله كلفنا أن نعبده وأعطانا مقومات التكليف والعبادة، والأكيد أن الله عرض علينا هذه الأمانة فقبلناها وهذه الأمانة هى طاعته والقيام بفرائضه وحدوده على أنها إن أحسنت هذه النفس أثيبت وجوزيت، وإن ضيعت عوقبت

( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72)) ]الأحزاب[ فنحن خُيرنا في أن نجيء إلى الدنيا وأن نُختبر، وأُعطينا المقومات لكي نتحمل هذه الأمانة بلا ظلم، فلكي نؤمن بالله فقد اعطانا الله الكون الذى ينطق بوجود الله، ووحدانيته، وأعطانا العقل الذى تتوافق مبادئه مع قوانين الكون، وفطرة سليمة تكشف للإنسان معنى الحق والباطل، والشهوة من مقومات التكليف لأن الإنسان له إرادة الإختيار فلا بد أن يكون هناك ما يحركه لاختيار الخير أو الشر، وقد قبل الإنسان هذه الأمانة تحت ضغط هذه الشهوات، وهنا يكون للإختيار الحق ثمناً من نوع هذا العمل،  وأعطانا الشرع مرجعاً للعقل إذا ضلّ، وللفطرة إذا ضُيّعت، وأعطانا الوقت لإتمام هذا العمل الذى تفعله النفس مختارة،وأعطانا الود إن تقربنا لله

﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (96) ﴾ (سورة مريم)

 «إذا تقرب العبد إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإذا تقرب إلي ذراعاً تقربت منه باعاً، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة» (رواه البخاري). ولو أن الله أجبرنا على الطاعة لبطل الثواب، ولو أجبرنا على المعصية لبطل العقاب، فقيمة عملك أنك تفعله مختاراً.

ولكن الإنسان مسيَّر في جوانب محدَّدة لست مختاراً في كونك ذكراً أو أنثى، ولست مختاراً في أمك وأبيك، ولست مختاراً في مكان ولادتك، ولا في زمن ولادتك، ولست مختاراً في خصائصك وخبراتك، وقدراتك وطاقاتك وشكلك، إن الذي لست مختاراً به هو محض حكمة بالنسبة لك، ولكن وعدك الله إنك لن تُحَمّل إلا على قدر طاقتك

لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286) ]البقرة[ ولكن في الحياة لا بد من الاختبار والمشكلة أن طريقة الاختبار هى قدر من الله

 وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) ]البقرة[ ولابد من اليقين بحكمة الله من هذا الاختبار حتى نرى أنه الخير يوم القيامة

﴿ وآخِرُ دَعْوَاهُمْ أنِ الحَمْدُ لِلَّه رَبّ العالَمِينَ ﴾( يونس: 10 ) فاليقين بحكمة الله، ورحمة الله، وعدل الله قبل كشف الغطاء يوم القيامة، درجة عالية في الإيمان، والرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين.

إذاً أنت مخير، واختيارك يجب أن يدفعك لعمل الخير، وأنت مخير فيما كُلفت، كُلفت أن تكون صادقاً، أنت مُخير في أن تصدق أو لا تصدق، أُمرت أن تكون أميناً، فأنت مُخير أن تكون أميناً أو لا تكون، كُلفت بالصلاة، أنت مُخير أن تصلي أو لا تصلي، كُلفت بالصوم، أنت مُخير أن تصوم أو لا تصوم، أنت مُخير فيما كُلفت به، فقيمة التكليف أنك مخير فيه، وكل عمل أنت مُخير به له قيمة كبيرة عند الله.

فمجرد أن تكون مُسيراً فلا معنى للثواب ولا للعقاب، ولا للجنة ولا للنار، ولا للتكليف، ولا الأمانة التى عرضها الله علينا، ألغي كل شيء في الدين حينما تتوهم أن الله أجبرك على أعمالك، وهذه عقيدة الجبر، وهي عقيدة فاسدة تشلّ الإنسان، ومن أقوال السلف الصالح كيف أن عملاق الإسلام الخليفة الراشد جيء له بشارب خمر، فقال: << أقيموا عليه الحد، قال: والله يا أمير المؤمنين اللهُ قدَّر علي ذلك، قال: أقيموا عليه الحد مرتين؛ مرة لأنه شرب الخمر، ومرة لأنه افترى على الله، قال: ويحك يا هذا إن قضاء الله لن يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار >> ولا يمكن أن ينحرف مسارنا عن طريق الله لأنه اختبرنا بقضاء وقدر أخذ من صحتنا أو من أرواح من حولنا أو من مالنا …ويجب أن نعلم أن الله رسم لنا طريق الهداية

﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ﴾ ]الليل:12[ فلا تعزو خطأك إلى القضاء والقدر، فكلُّ شيء يقع بإرادة الله ولحكمة وخيرٍ لنا، فالذي وقع أراده الله، بمعنى أنه سمح به، والذي أراده الله وقع، إلا أن هذه الإرادة متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق، مِن هنا ينبغي أن نعتقد جميعاً أن الشر المطلق لا وجود له في الكون، لكن الذي يليق بكمال الله أن الله يوظف الشر النسبي للخير المطلق

﴿ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾( آل عمران: 26) وليس إيتاء المُلك خير، أو نزع المُلك خير، والإعزاز خير، أو الإذلال خير فلا يعلم أين الخير إلا من قدّره، ولكن لا بد من الإيمان بالله حتى يكون للتكليف والإختيار معنى، ولا معنى للأمر ولا معنى للنهي إذا كان الإنسان مسيراً، فما دام هناك أمر فهناك اختيار، وما دام هناك نهي فهناك اختيار…فلنكن عباد الرحمن ونختار صفات أمرنا الله بها بمحض إرادتنا

{ وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا (67) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (70) وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71) وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (72) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (73) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74) أُولَٰئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (75) خَالِدِينَ فِيهَا ۚ حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (76) قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ۖ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (77) } (الفرقان).

﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ (29) ﴾(الكهف)

﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3) ﴾(الإنسان)

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا (148) ﴾(الأنعام )

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ(148) ﴾(الأنعام )

هذه الآيات واضحة، وقطعية الدلالة، أننا مُخيرون في الطريق الذى نسلكه ولكن هناك آيات تجعلك تتشكك مثل ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ(13) ﴾(السجدة)

﴿ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ (93) ﴾(النحل)

يُشَمُّ منها رائحة الجبر…

ولكن الإضلال الجزائي من الله مبنيٌّ على ضلال اختياري من العبد﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ (5) ﴾(الصف)

فلما اختاروا الضلال كتب الله عز وجل عليهم الضلال، ومثلها ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28)( الكهف)

فهنا أيضاً الضلال الجزائي المبني على ضلال اختياري.

﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ ]الأنعام:94[

حينما تُعلق الأمل على إنسان، وأشرك إختياراً بالله الواحد، جعل الله عز وجل الشرك سببا فى الإضلال، فهنا أيضاً الضلال الجزائى المبني على الضلال الاختياري، إن الله أمر عباده تخييراً، ونهاهم تحذيراً، وكلَّف كلٍ على حسب قدرته، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يُحاسب من أُكره على معصية بل حاسب من اختار المعصية بمحض إرادته، وعلم الله سابق لما نفعل وهذا لا يجيز لنا أن نفعل ما نشاء من معاصي،لأننا لا نعلم ما هو هذا العلم بمصيرنا أو قدرنا أو ما قد ينفعنا أو ما قد يضرنا نحن نجد أن إطلاق المشيئة في آية تقيده آية أخرى يُذكر فيها الاختيار الإنساني صريحا، فنجد شخصاً آثر الغي على الرشاد، فأقره الله على مراده، وتمم له ما ينبغي لنفسه

 أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ۗ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِكَ ۚ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۖ فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (78) مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ۚ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا (79) ]النساء[

اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

Author: Hala Refaat